موقع شرح الحديث

من رأى منكم منكرا

عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ - وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ - قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ:

 الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

«مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». (أخرجه الإمام مسلم

 في صحيحه فهو حديث صحيح)


وقبل الشروع في شرح الحديث ننبه إلى بعض النقاط المهمة التي ينبغي معرفتها في هذا الباب ومنها:

* أن شرطه أن لا يترتب على ذلك مفسدة أعظم وذلك لإجماع أهل الإسلام على ارتكاب أخف الضررين.

* ووجوبه يكون حين وجود احتمال النفع ومظنته أما إن تيقن وجزم بعدم النفع لم يجب عليه كما قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}

 ولا يعني هذا أنه بمجرد ظنه بعدم الاستفادة لا ينصح ولا يرشد بل يجب عليه إلا إن تيقن عدم الانتفاع منه.

* ويبدأ بالأهل والأبناء ونحوهم ودليله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع

 وكلكم مسؤول عن رعيته"

* وأيضا ليس شرطه أن يكون الرجل عدلا تقيا بل هو عام لكل الناس فمن قدر على تغيير الباطل والمعصية إلى الخير والصلاح فيتعين عليه

 ما لم يف بذلك أحد آخر فمن كان مقصرا في نفسه لا يقال له لا يجوز لك أن تنكر المعاصي حتى تكون عدلا.

وهو أيضا مطالب في نفسه أن يدارك نفسه ويتوب ويستغفر ويرجع لربه ومولاه.

* والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية فإن تركه الجميع ممن يقدر عليه لحقهم الإثم وإن فعله جمعة تكفي كجماعة من

 المسلمين سقط الإثم عن الجميع وهناك حالات يكون فرضا على الكفاية على أشخاص معينين كأن لا يقدر عليه إلا ذاك الشخص كدفع

 شبهات أهل الأهواء من قبل العلماء.

* والمنكر المقصود منه ما كان مجمعا على تحريمه أو كان الخلاف فيه ضعيفا وأما المسائل التي اختلف فيها الفقهاء والخلاف فيها

 (قويا والأدلة متقاربة) وفعله الشخص مجتهدا فلا يجب إنكاره.

وله ذلك على جهة النصيحة بأن يبتعد عن الخلاف أي يرشده برفق إلى فعل ما يخرجه من خلاف العلماء ومثاله رأينا أحدهم يشرب

 واقفا يقال له اجلس واشرب خروجا من الخلاف فمن أهل العلم من يرى بتحريم ذلك ومنهم من يرى الكراهة.

* ليستحضر الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أنه:

1- يرجو الثواب مولاه بفعله هذا

2- ويخشى أن تنزل عليه العقاب على تركه

3- غضبا لله بأن يفعل ما لا يحبه ولا يرضاه بل يبغضه ويمقته.

4- يستحضر النصيحة للمؤمنين والرحمة بهم ولعل ينقذهم ويبعدهم عن النار بذلك.

* لا يستحيي في النصيحة لمودة أو صداقة بل الصديق الحقيقي هو الذي يصلح صديقه ويرشده لطريق الجنة والدار الآخرة

وإن رجع بالخاسرة في دنياه.

- والآمر والناهي يختار الأماكن المناسبة والأوقات المناسبة فلا تشهر بالناس باسم النصيحة بل اختر وقتا تجده لوحده واستعمل

الرفق واللين مع ذكر النصوص الشرعية فهو أدعى للقبول وقد يُستعمل في بعض المواضع الشدة كما استعملها النبي صلى الله عليه وسلم.



( من رأى منكم منكرا ) وهذا ينبهنا ويرشدنا إلى أمر هام وهو أن الإنكار يتعلق بالرؤية فليس لأحد أن يذهب ويتجسس على

المسلمين حتى يعلم معاصيهم ويكشف ما ستروه فليس له ذلك، بل له ذلك عند الرؤية وأيضا عند إظهارهم لذلك وأيضا إذا كان

 يسمع صوت الغناء وآلات الملاهي فله أن يذهب إليهم وينصحهم وأما تفتيش البيوت وتسور الجدران فليس له ذلك وقد أنكره

 الأئمة والعلماء مثل سفيان الثوري وغيره.


(فليغيره بيده) وهذا ليس لكل أحد إنما كل بحسبه فالأب بإمكانه التغيير باليد عند الأبناء والزوجة والمسؤول لمن تحته وهكذا

وأما إقامة الحد وحبس الناس ونفيهم وتغريبهم عن البلدة فليس ذلك لآحاد الناس إنما لولي الأمر ومن أقامه مقامه بأن يختار رجلا

عدلا أمينا يفعل ذلك عنه.

وهكذا القتال وجمع الجيوش للإنكار على طائفة معينة فليس لآحاد الناس إنما للحاكم والسلطان ولو ترك مثل هذا للأفراد لحصل فساد عظيم

 وانتشر الفوضى بين العباد.

وفي هذا أيضا إشارة إلى مراتبه وأنه ليس على مرتبة واحدة.


(فبلسانه) بالتذكير والتوبيخ والنصح والإرشاد وبذكر الأدلة الشرعية فهي أدعى بالقبول.


( فبقلبه ) : والمراد بهذا أن يبغض ذلك ويكرهه وهذا لا يكون إلا إذا كان الشخص يعلم أنه منكر وقبيح.

وليس لأحد أن ينتقل إلى الإنكار بالقلب وهو قادر باللسان أو اليد وإنما هذا في حق م ن لا يستطيع بيده ولسانه فلذلك لا يلحقه الإثم فقد أدى

 ما عليه فإنكار المنكر بحسب إستطاعة الشخص ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ومن رضي به فهو تابع لفاعله آثم مثله.

ومن الأخطاء التي قد تجدها عند البعض يزعم أنه ينكر فعلهم وهو جالس معهم وقت المعصية ويضحك معهم فمثل هذا فعله يبطل ما يزعمه

 بل يفارق المجالس التي فيها المعاصي والذنوب ولا يستطيع الإنكار باللسان وبإمكانه القيام والخروج.

وإنكار المعاصي بالقلب فرض على كل أحد لا يسقط عنه فمن رأى ذلك ولم يستطع تغييره باليد واللسان فلا يسقط عنه بالقلب.


(وذاك أضعف الإيمان) أي أضعفه وأقله ثمرة.


شرح المفردات:

رأى: رؤية العين وأيضا ما علمه.

منكم: أي معشر المسلمين المكلفين.

منكرا: ما قبحه الشرع فعلا وقولا ولو صغيرا -وما قبحه الشرع قد يدرك قبحه عقلا أيضا- 

فليغيره: فليزله.

بيده: حيث كان مما يزال بها ككسر آلة لهو.

فإن لم يستطع: الإنكار بيده لوجود سبب.


خطورة ترك إنكار المنكر

1- أنه سبب للعقاب والعذاب العاجل في الدنيا كما ثبت عن المصطفى عليه الصلاة والسلام: [ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ

 عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ ]

وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79].

2- وأيضا هو سبب لعدم استجابة الدعاء كما ذكرناه سابقا.

3- صاحبه متصف بصفات المنافقين وأما أهل الإيمان فهو يأمرون بالمعروف وينهون عن الباطل


فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1- إقامة الحجة على الخلق حتى لا يكون لأحدهم عذرا بعد ذلك ودليل ذلك : { رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ

عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.

2- تبرئة للذمة والخروج من عهدة التكليف كما جاء : {قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} الآية وبهذا يتبين لنا أمر آخر وهو أن الشخص إذا

رأى المنكر وقدر على تغيره ولم ينكره لحقه الإثم ومن ذلك ما فعله اليهود من قتل الأنبياء والله وعظ قوم لم يقتلوا الأنبياء

 والسبب أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته.

3- انتشار الخير والطاعات في المجتمع وخلو المجتمع من المنكرات وذهاب الفسق والفسقة.

4- لهم البشارة والمدح من الله فقد قال سبحانه : { الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (112)

 لم يذكر ما يبشرهم به، ليعم جميع ما رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن‏.‏ ويختلف مقدارها

 كثرة وقلة باختلاف حال العبد

5- نصرة للدين وإظهار له على المخالفين.

6- عظم الله هذه الأمة باتصاف بصفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

 وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)

يقول العلامة السعدي: يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام

 بكل ما أمر الله به، وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع

 في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس

7- أنه من النصيحة التي هي الدين كما ثبت.

8- صاحبه منصور بإذن الله كما قال تعالى: { ولينصرن الله من ينصره }


من رأى منكم منكرا 

إشكال يورده البعض والجواب عنه

يستدل البعض بقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } [المائدة: 105] لترك الإنكار ولا شك

 أن هذا فهم سقيم للنصوص الشرعية لا يستقيم

والآية مراد منها:

1_ الحث على أن يعتني الإنسان بنفسه فيصلحها ويبعدها عن المنكر وأن ضلال الغير لا يضره وليس مراد منها أن لا ينكر عليهم بتاتا

 فالمراد يجمع بين أمرين صلاح نفسه ثم صلاح غيره.

2_ والمعنى الآخر ذلك حين لا ينفع النصح والإرشاد ويتيقن عدم نفعه مع فاعل المعصية فلا يضره حينها ويعتني بصلاح نفسه.

وكلام ابن عمر رضي الله عنهما يدل على أن من علم أنه لا يقبل منه لم يجب عليه كما حكي رواية عن أحمد وكذا قال الأوزاعي.

وأيضا قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أخْرَى"} فإذا فعل ما كلف به من الأمر والنهي ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الآمر والناهي

 لأنه أدى ما عليه فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول انتهى


فوائد الحديث:

1- بيان مراتب الإنكار

2- أن الإيمان يزيد وينقص النقصان واضح وأما الزيادة فبما أنه ينقص فيمكن أن يزيد.

3- فيه دليل أن الخائف من القتل أو الضرب يسقط عنه التغيير.

4- لا يجوز التجسس على الناس وليس ذاك متعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5- إذا استطعت أن تفعل خصلة من خصال الإيمان ففعلها أفضل ممن تركها.


هل ينصح السلطان والحاكم

نعم الواجب عليه أن ينصح ولاة الأمر بوفق الضوابط الشرعية التي دلت عليها الأدلة ومقاصد الشريعة ومن تلك الضوابط:

1- أن يكون عنده وأمامه أو بما ينوب عن ذلك كإرسال رسالة له أو إرسال شخص لمناصحته ولا يكون فوق المنابر والصحف فذلك

 يؤدي إلى الخروج وذهاب الأمن وفقد هيبة السلطان.

2- أن يكون سرا فلا يشهر ذلك بين الناس.

3- وينصححه باللطف واللين والموعظة الحسنة فهو مدعاة للقبول خاصة في مثله.

4- وأن لا يترتب على النصح مفسدة أعظم ومثاله إنه كان يظلم شخصا معينا -وفعله محرم بلا شك- لكن إن نوصح لظلم طائفة أو قرية

 كاملة فهنا المفسدة أعظم.

وإذا كانت المفسدة راجعة إلى نفسه فقط بأن يسجن أو يجلد أو ما شابه ذلك فله الإنكار إن أراد وإذا خشي أن يؤذي أهله أو جيرانه

 لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره.


مواضع يتساهل فيها البعض

وهنا نذكر بعض المواضع التي لا ينبغي التساهل فيها:

1- عندما ترى أحدهم يغش أحد المسلمين في البيع والشراء كمن يبيع سلعة معيبة -سيارة مثلا- وأنت تعلم أنها لا تصلح وفيها

 ما فيها فانصح وبين الصواب.

2- خروج الفتيات بلباس غير ساتر بحيث تظهر شيء من يديها أو ساقيها أو تظهر متمكيجة ومتزينة عند غير محارمها فتنصح

 وترشد ويجب على ولي أمرها منعها في ذلك ونصححها والأخذ بيدها.

3- وضع صور النساء والفتيات في مواقع التواصل الحديثة من غير نكير ولا نصيحة كمن تضع صور الممثلات والمغنيات.

وأيضا أهم من ذلك كله ما يتعلق بالاعتقاد والعقيدة كموالاة الكفار أو الترحم والاستغفار لهم بعد الموت أو الاستهزاء ببعض شعائر

 الدين بحجة المزح والضحك فكل ذلك يجب إنكاره بحسب القدرة والاستطاعة.


المصادر والمراجع:

أضواء البيان للعلامة الشنقيطي.

تفسير القرطبي.

تفسير الراغب الأصفهاني

تفسير العلامة السعدي

أحكام القرآن للجصاص

جامع العلوم والحكم

شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد

شرح صحيح الإمام مسلم للنووي


اقرأ أيضا:

كان الله في عون العبد

اذا عمل احدكم عملا فليتقنه

المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف