موقع شرح الحديث

شرح حديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته

شرح حديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وصححه َابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

قال فضيلة الشيخ حامد بن خميس الجنيبي وفقه الله في شرح كتاب بلوغ المرام الدرس الثاني:

من عادة المصنفين في الفقه سواء أكان ذلك في فقه الحديث أو كان ذلك في الفقه المذهبي أنهم يبتدؤون بذكر ما يتعلق بالصلاة قبل غيرها؛ لأنَّها أعظم أركان الدين  بعد الشهادتين، فهي أوَّل ما يحتاج إلى معرفته بعد التوحيد والاعتقاد الصحيح، وجملة الاعتقاد الصحيح، أوَّل ما يحتاج  إليه بعد ذلك هو الصلاة؛ لأنَّها أعظم أركان  الدين، والصلاة،  لها شروط وأركان وواجبات ومن شروطها الطهارة؛ فلذلك كان من عادة المصنفين أن يتكلموا على ما يسبق الصلاة من الطهارة؛ لأنَّ العبد إذا أراد أن يصلي؛ فإنَّه يحتاج إلى أن يتطهر، لكي تصحُّ هذه الصلاة، وتطهُرُهُ يحتاج إلى أمور، وهذا غالب ما يتكلم عليه أهل العلم في كتاب الطهارة.

فهذا الكتاب (كتاب الطهارة) هو المدخل إلى (كتاب الصلاة)، وقوله رحمه الله تعالى (كتاب) الكتاب مصدر من قولك يكتبُ كتبَ كتابًة وكتابًا، وهو بمعنى الجمع والضم، ومنه الكتيبة، سميت كتيبة لاجتماع أفرادها وأمَّا الكتاب فسمي كذلك لاجتماع الكلمات والحروف فيه، ومما ينبغي التنبيه عليه أن كتب الفقه، يقسمها أهل العلم إلى كتب، فتجد كتاب بلوغ المرام مثلًا، مقسم إلى كتاب الطهارة، ثم كتاب الصلاة، ثم كتاب الزكاة … وهكذا.

وهذه الكتب تقسم إلى أبواب، فتجد تحت ذلك، مثل هنا (باب المياه)  .. وهكذا، وأحيانًا قد تقسم الأبواب إلى فصول، هذا بحسب الحاجة إلى ذلك، وقد تقسم الفصول إلى مباحث، وقد تقسم المباحث إلى مسائل –وهذا كله بحسب الحاجة-فالكتاب اسم لما يجمع جملًة من العلم تحت أبواب، والباب اسم لما يجمع جملًة من العلم تحت فصول وهكذا.

[ شرح حديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته ]

فيقول كتاب الطهارة، والطهارة في اللغة هي النظافة والنزاهة، وهي في الشرع رفع الحدث وزوال الخبث، الحدث في اللغة هو الأمر الحادث، المنكر، غير المعتاد، وأمَّا في الشرع: فهو وصفٌ حكميٌّ يمنع من بعض العبادات كالصلاة، والخبث في اللغة هو المُستَقذَرُ والفاسد، وفي الاصطلاح عينٌ مستقذرةٌ شرعًا، يقول تعالى: (يحلُّ لهم الطيبات ويحرِّم عليهم الخبائث)

فقلنا هنا رفع الحدث؛ لأنَّه يحتاج إلى من يقوم برفعه، فيحتاج إلى نيَّة (كما سيأتي) وأمَّا في الخبث فقلنا زوال، ولم نقل إزالة، لأنَّ الخبث سواء أزيل أو زال فقد تم المراد، فلا يحتاج إلى نية، ولو كان هنالك موضع فيه خبث وتغيرت (استحالت في الشمس) كالبول يوجد في مكان فيه شمس فيطول المدة ويزول مثلًا، أو غير ذلك من النجاسات التي إمَّا تتغير بطول المكث فتستحيل، وإمَّا أن يأتي مطٌر، أو شخٌص صبَّ ماءً لكن بغير قصد أن يزيل النجاسة فزالت هذه النجاسة فقد تم المراد والمقصود.

يقول رحمه الله تعالى (باب المياه) المياه في أصلها لا تجمع، الأصل أن يقال الماء، لأنَّه اسم جنٍس يقع على الكثير والقليل لكن جمعه الفقهاء من باب تنوع أقسام المياه وتعدُّد أنواع أقسام المياه.

 

شرح حديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته

ذكر أولًا حديث أبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن صخر الدوسي أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله توفي في السنة 59 وقيل في 58 للهجرة.

يقول: قال صلى الله عليه وسلم فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ»

وهذا الحديث في الأصل له قصٌة، أنَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) سُئِلَ (عليه الصلاة والسلام) فقيل له: إن نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإذا توضئنا به عطشنا فنتوضأ بماء البحر، فأجاب: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، فالحديث أخرجه الأَرْبَعَةُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وصحَّحه َابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

وحكا التَّرمذي في العلِّل عن البخاري تصحيح هذا الحديث وممَّن صحَّحه أيضاً البغوي وابن منده، وابن المنذر وابن حزن والألباني، وغيرهم من أهل العلم عليهم رحمة الله تعالى، فقد صحَّ نقله موقوفًا على أبي بكر (رضي الله تعالى عنه) من قول أبي بكر (رضي الله تعالى عنه) كما عند ابن أبي شيبة، وعند القاسم بن سلام بن أبي عبيد في الطهور، وورد عن عمر وابن عباس وعقبة رضي الله عنهم أجمعين، مثل ذلك أعني في طهوريَّة ماء البحر بألفاظ مختلفة. اهـ. [ شرح حديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته ]

 

قال الشيخ حامد وفقه الله:

فالحديث الأوَّل: … هو الطهور ماؤه الحل ميتته:

الطهور ماؤه بفتح الطاء، وليس بضمها، والطهور بالفتح اسٌم لما يتطهر به، وأمَّا بالضم فهو اسٌم للفعل، هذا الفعل الذي تقوم به، وأمَّا الذي تتطهر به فيسمى طهورًا بالفتح، وقوله الحِّلُ: يعني الحلال، والميتة: هو كلّ ما مات من غير ذكاه من غير ذبح اهـ.

 

الحل ميتته

وقال الشيخ أيضا:

في الحديث الأوَّل تكلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته):

ذكر حكم الميتة، والميتة هو كل ما مات من غير ذكاة شرعية، والبحر كل ما فيه حلاٌل على الصحيح من أقوال أهل العلم، ولو كان له جنٌس في البِّر كحصان البحر، وكلب البحر، فكلُّ ما كان يعيش في الماء وليس مما يعيش في البر والماء فهو حلاٌل أكله، إذاً فالكلام في الحديث عمَّا يعيش في الماء فقط، فكله حلال. اهـ.

 

هو الطهور ماؤه

وقال وفقه الله:

ومن باب الفائدة [في ] الحديث الأوَّل قد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهم أجمعين عدم جواز التطهر بماء البحر، ثبت ذلك عنهما رضي الله عنهما، ولكنَّ ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقدم، وكذلك ما ذكرنا ثبت عن أبي بكر وعن ابن عباس وورد عن عمر وعن عقبة بن عامر رضي الله عنهم أجمعين، وهذا هو المراد

والمقصود من هذا الحديث أنَّ ماء البحر يجوز التطهر به، ويصح التطهر به، ولذلك ذكر عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر بن راشد، روى في مصنفه عن معمر أنه سأل يحيى ابن أبي كثير عن قوله عبد الله بن عمر بن العاص عن قوله في حكم ماء البحر، فقال ابن أبي كثير، قد بلغني ما هو أوثق من ذلك أنَّ رسول الله (عليه الصلاة والسلام) سُئِلَ عن ماء البحر فقال: ماء البحر طهوٌر وحِّل ميتته، وهذا في مصنف عبد الرزاق.

[ شرح حديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته ]