موقع شرح الحديث

 

شرح حديث ما جلس قوم مجلسا

ننتقل إلى الحديث التالي، وهو حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا, يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ

وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.


قوله: مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا

جلسًا؛ يشمل أي مجلس المساجد وغيرها، إلا أن المساجد أشرفها، ولهذا جاء في الرواية الأخرى: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يتلون كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ

عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ..». إلخ. لكنه لا يتقيد مجلس الذكر بالمسجد، وإن كان الأفضل أن يكون في المسجد، لكنه لا يتقيد بالمسجد، فيشمل أي مجلسٍ.


قوله: «يَذْكُرُونَ اَللَّهَ».

يذكرون اللهَ، هل المراد بالذكر الذكر المعروف من التسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة وتلاوة القرآن ونحو ذلك، أو أنه يشمل مجالس العلم، كهذا المجلس مثلًا، مجالس العلم تعلمًا

وتعليمًا ومذاكرةً؟


اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم مَن خص مجالس الذكر الواردة في هذا الحديث بمجالس التسبيح والتحميد والتكبير، واستدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله

عليه وسلم قال: «إن لله ملائكة سيارة، يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوهم يذكرون الله تعالى، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا

فيسألهم الله ماذا وجدتم عبادي؟ قالوا: يسبحونك، ويحمدونك، ويمجدونك، ويكبرونك، فيقول: ماذا يريدون؟ فيقولون: يريدون جنتك. يقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا. فيقول: كيف

لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أشد تحميدًا وتكبيرًا وتمجيدًا وعبادةً، فيقول: ومم يستعيذون؟ فيقول: يستعيذون من النار. فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا.

فيقول: فكيف لو رأوها؟ يقولون: لكانوا أشد خوفًا وحذرًا منها.

فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرتُ لهم.

فتقول الملائكة: إن فيهم فلانًا ليس منهم، وإنما جاء لحاجةٍ فجلس.

فيقول الله: هم القومُ لا يشقى بهم جليس».

[ شرح حديث ما جلس قوم مجلسا ]

قالوا: فهذا الحديث فيه التنصيص على التسبيح والتحميد والتكبير، وقد رجّح هذا القول الحافظ بن حجر رحمه الله في فتح الباري.

والقول الثاني: أن مجالس الذكر في هذه الأحاديث تشمل مجالس العلم؛ لأن الله عز وجل وصف خطبة الجمعة أو سمى خطبة الجمعة بذكر الله

فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]، وذكرُ الله هي خطبة الجمعة والصلاة.

فوصفَ اللهُ تعالى خطبة الجمعة بأنها ذكرُ الله، فدلّ ذلك على أن تعليم الناس وإرشادهم أنه داخلٌ في ذكر الله عز وجل.

وهذا هو القول الراجح، أن مجالس العلم داخلةٌ في مجالس الذكر، وقد رجّح هذا القول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، ودلالة

الآية ظاهرة {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9].


وهذا يدل على الشرف العظيم والفضل الكبير لمجالس العلم، ولو لم يكن كهذا المجلس، ولو لم يستفد المسلم من حضوره لهذه المجالس إلا

هذا الشرف المذكور في هذا الحديث لكفى؛ تحفهم الملائكة، تغشاهم الرحمة، تنزل عليهم السكينة، يذكرهم الله فيمن عنده. يقول الله: أشهدكم أني قد غفرتُ لكم.


هذا يدل على أن طالب العلم ينبغي أن يحرص على الحضور لمجالس الذكر، ولا يكتفي بالسماع والمشاهدة عبر سماع التواصل إلا لمن كان له عذر

لأنه بحضوره ينال هذا الفضل العظيم، لو جلس في بيته الظاهر أنه لا يدخل في هذا؛ لأن هذه مجالس ذكر تحفها الملائكة، لو دخل في بيته هو مأجور

إن شاء الله على تعلم العلم ويستفيد، لكن حضوره للمجس ينال هذا الشرف المذكور في هذا الحديث، تحفهم الملائكة بمجالس الذكر، تغشاهم الرحمة.


تحفهم الملائكة جاء في حديث أبي هريرة: تحفهم الملائكة بأجنحتها إلى السماء الدنيا. ملائكة خاص بتتبع مجالس الذكر، «إن لله ملائكة سيارة،

يطوفون في الطرقات، يلتمسون مجالس الذكر». الله أكبر! فإذا وجدوا مجلس ذكر، قالوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا.


فالملائكة تحف هذه المجالس، تغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة، ولهذا يجب الإنسان في مجالس الذكر من السكينة ما لا يجدها في غيره.

ويذكرهم الله فيمن عنده، الله أكبر! ويقول الله: أشهدكم أني قد غفرتُ لهم.


فهل بعد هذا يزهد طالب علم في مثل هذه المجالس؟! هذا شرفٌ عظيم وأجرٌ كبير، والموفق مَن وفقه الله عز وجل. لذلك ينبغي أن يصبِّر

المسلم نفسه على حضور مثل هذه الحِلق، ومثل هذه الدروس وهذه المجالس.


[ شرح حديث ما جلس قوم مجلسا ] 

قوله: «حفتهم الملائكة»

الملائكة تحفُّ بمجالس الذكر، هنا قال المؤلف، يعني ذكر المؤلف قال: «حفّت بهم الملائكة»، وفي بعض نسخ بلوغ المرام:

«حفتهم الملائكة»، وهذا هو.. رواية الصحيحين بهذا.


هل تحف بهم الملائكة إكرامًا لهم أو تحفهم مشاركة ورغبةً في الذكر؟

يشمل الأمرين جميعًا، تحفهم الملائكة أولًا إكرامًا لهم، وتحفهم الملائكة كذلك مشاركةً ورغبةً في الذكر، كما أنها تأتي للمسجد الجامع

يوم الجمعة وتستمع للخطبة، تقف الملائكة عند المسجد الجامع الأول فالأول، فإذا دخل الإمام طُويت الصحف وأقبلت الملائكة تستمع

الذكر، يعني خطبة الجمعة. وتكون الملائكة أيضًا شهداء لهم، فهذا هو الحكمة من كون الملائكة تحف مجالس الذكر.


قوله: «وغشيتهم الرحمة»

غشيتهم: يعني غطّتهم، من الغشاء وهو الغطاء؛ أي أن الرحمة تحيط بهم من كل جانب.


وقوله: «ونزلت عليهم السكينة»

قيل: المراد بالسكينة: الرحمة، وقد اختار هذا القول القاضي عياض

والقول الثاني: أن السكينة غير الرحمة، وأنها شيء يقذفه الله في القلب، فيطمئن ويستقر، فلا يكون عند الإنسان قلق ولا شك ولا ارتياب

وهذا هو الأقرب والله أعلم أن السكينة غير الرحمة، شيءٌ يقذفه الله في القلب، يورثه الطمأنينة والسكون والاستقرار، وعدم القلق

كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 4]. قوله: « وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ».

أي أن الله عز وجل يذكر الذاكرين له فيمن عنده من الملائكة، وكيفية ذلك؟ اللهُ أعلم بها، لكنه يذكرهم على سبيل المدح والثناء لهم.


[ شرح حديث ما جلس قوم مجلسا ] 

أبرز فوائد وأحكام الحديث:

أولًا: دلّ هذا الحديثُ على فضلِ مجالس الذكرِ، وعظيم شرفها عند الله عز وجل؛ حيث يحصل للجالسين فيها هذه الأمور الأربعة

المذكورة في هذا الحديث، وهي: أن الملائكة تحف بهم، وتغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة، ويذكرهم الله فيمن عنده.

وهذه الأمور الأربعة لو كان يترتب على مجالس الذكر واحدةٌ منها، لكان هذا دافعًا للمسلم لكي يحرص عليها، فكيف باجتماعها؟!

وأيضًا جاء في حديث أبي هريرة الآخر في الصحيحين، أن الله يقول: «أشهدكم أني قد غفرتُ لهم». وهذه أيضًا فائدة خامسة

وهي مغفرةُ الذنوب. فيحصل إذًا من مجالس الذكر هذه الفوائد الخمس: تحفهم الملائكة، تغشاهم الرحمة، تنزل عليهم السكينة

يذكرهم الله فيمن عنده، أن الله تعالى يغفر لهم. جميع مَن حضر المجلس حتى وإن لم يكن منهم، يعني حتى وإن كان رجلًا مثلًا

عاميًّا جلس معهم، وليس طالب علم، جلس فقط يريد بركة هذا المجلس وفضله، وهو لا يدري ماذا.. ربما كثير من الكلام

لا يفهمه، لكن يريد بركة هذا المجلس، فتشمله المغفرة، وتشمله هذه الفضائل.  


ثانيًا: فضل الاجتماع على ذكر الله عز وجل؛ وهذا يدل على أن ذكر الله تعالى في جماعةٍ أفضل من ذكر الله تعالى منفردًا

ويدل على أن طلب العلم ينبغي أن يكون عن طريق حِلق العلم ومجالس العلم ومجالس الذكر. وليس في هذا الحديث حُجة

لبعض الفرق المبتدعة التي ترى الاجتماعَ على الذكر بصوتٍ جماعي؛ لأن هذا لم ترد به الشريعة، ويُحمل ما ورد في فضل

الاجتماع على الذكر، على ما كان عليه العمل في عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم.

والذي عليه العمل في عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحابة كانوا يذكرون اللهَ تعالى من غير أن يكون بصوتٍ واحدٍ جماعيٍّ،

وإنما كلٌّ يذكر الله تعالى وحده، لكنهم مجتمعون، كما قال أنس: فمنا الملبي ومنا المكبِّر. ثم إن ذكر الله تعالى بالصوت الجماعي

الواحد يجعل هذا الذكر أشبه بالطقوس الفارغة عن معانيها، كأنها أناشيد تُردد، ولكن إذا كل واحد ذكر الله تعالى

فإنه يستحضر معنى ما يقول.


أما إذا كان بصوتٍ جماعي، فكأنها أنشودة يرددونها، وأكمل الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم

قد قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، ولم يرد لا عن الصحابة، ولا التابعين

ولا تابعيهم أنهم كانوا يذكرون الله تعالى بصوتٍ واحدٍ جماعي، وعلى هذا فالذكر بصوتٍ واحد جماعي بدعةٌ، لكن لو اجتمع

مجموعة وقالوا: نريد أن يشجع بعضها بعضًا، وندخل في هذا الحديث، نتفق أن نسبح الله ونحمده ونكبره، هذا طيب،

يدخلون في هذا الباب، لكن لا يكون ذلك بصوتٍ واحدٍ.

طيب، هل يدخل.. نحن أولًا: يدخل في مجالس الذكر قلنا: أن يجتمعوا بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير هذا منصوص عليه.

طيب مجالس العلم ذكرنا الخلاف ورجّحنا أنها تدخل.


طيب، حلقات تحفيظ القرآن الكريم، هل تدخل؟ نعم، تدخل، القرآن هو أشرف الذكر، فحلقات تحفيظ القرآن الكريم ينطبق عليها

هذا الحديث تمامًا، اجتمعوا في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم. لأنه في الرواية الأخرى:

«مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ،

وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». فهو يشمل أيضًا حلقات تحفيظ القرآن. إذًا يشمل حلقات التحفيظ، يشمل مَن

اجتمعوا للتسبيح والتحميد والتكبير، يشمل مجالس العلم.. هذه كلها مجالسُ ذكرٍ يحصل لمَن جلس فيها هذه الأمور الخمسة

تحفهم الملائكة، تغشاهم الرحمة، تنزل عليهم السكينة، يذكرهم الله فيمن عنده، يُغفر لهم.


[ شرح حديث ما جلس قوم مجلسا ] 

ثالثًا: أن الاجتماعَ على ذكر الله عز وجل من أسباب الرحمة، لقوله: «وغشيتهم الرحمة». وعلى هذا فالحاضرون لمجالس

العلم يُرجى لهم الثواب العظيم، والأجر الكبير، لكونهم قد غطّتهم الرحمة كما يغطي الكساء الشيء. سبحان الله! كستهم

غطتهم الرحمة، فيكون الجو كله مغطًى بالرحمة.


رابعًا: أن الله تعالى يَذْكُرُ مَن جلس في مجلس ذكرٍ فيمن عنده، ويذكرهم على سبيل الثناء عليهم

وهذا من.. ولو لم يكن في مجالس الذكر إلا هذه لكفى.


خامسًا: أن هناك ملائكة موكلون بحضور مجالس الذكر، فإن الملائكة لهم أعمالٌ؛ فمنهم الموكلون بكتابة الأعمال

ومنهم مَن هو موكل بالوحي كجبريل، ومنهم الموكل بالمطر والقطر، وغير ذلك. وهناك ملائكة خاصة بحضور مجالس

الذكر فقط، كما في الحديث السابق الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملائكةً سيارة، يطوفون في الطرقات

يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكرٍ، قالوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء».

هذه أبرز الفوائد والأحكام المتعلقة بهذا الحديث.

 

واقرأ أيضا:

من تعار من الليل

كان الله في عون العبد

اذا عمل احدكم عملا فليتقنه