الصفحة الرئيسية

شرح حديث لا تغضب

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال: [ لا تغضب ] فردد مرارا قال: [ لا تغضب ] أخرجه الإمام البخاري

 

وفي هذا وصية عظيمة لهذا الرجل فالمعنى أنه كان يريد أن يعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام أمرا ينفعه لكن في كلمات قليلة يسيرة وذلك لكي لا ينساه

إذا أكثر عليه فأجابه عليه الصلاة والسلام بكلمة من جوامع الكلم حيث أنها تحتوي معاني كثيرة جدا لمن تأملها وعمل بها فإن الغضب يورد صاحبه الهلاك

إن لم يضبطه بالشرع الحكيم, وهو عدو الإنسان لذا قال بعض الشعراء : ولم أر في الأعداء حين خبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب.

 

والمقصود بذلك : أن يترك ما يغضبه فيبتعد عن كل ما يجعله غاضبا وأيضا أن يترك غضبه حين حدوثه بامساك نفسه وكظمها وعدم الغضب سبب من

أسباب دخول الجنة, وردد السائل السؤال لكي يعطى أمرا أنفع من ذلك فبين له أن هذا هو النافع له وقد يكون السائل غضوبا فناسبه هذه الوصية

وتكرار الوصية بترك الغضب يدل على أهمية هذا الأمر وأنه أمر عظيم ينبغي لكل عاقل أن يدركه ويعقله ويطبقه في حياته

 

والنفس إن أمسكتها عند شدة الغضب يسهل حينها إمساكها عند الحسد والكبر والعجب وما شابه ذلك وفي ذلك أيضا خزي للشيطان إذ لم يتمكن منه

 

والغضب تظهر أثاره على القلب واللسان والجوارح

فالقلب يصبح حاقدا حاسدا مبغضا لأقرب الناس له

واللسان أثره ظاهر فيشتم ويلعن ويقذف يقول ما يستحيي منه عند رضاه

والجوارح فالضرب والقتل وقد يعود إلى نفسه بشق الثوب ولطم خد وشد الشعر أو أذية الجسد بجرحه أو ما شابه ذلك

 

والمنهي عنه هو المذموم الذي فيه تعد على حق الله أو الخلق أو ما ينشأ منه الجور والظلم وكذلك كثرة الغضب.

فالغضب على قسمين المذموم وهو ما ذكرناه والثاني:

•الغضب المحمود

شرح حديث لا تغضب

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب وأمثلة ذلك لما أطال الصحابي في الصلاة ولما سأله الرجل عن ضالة الإبل ولكنه محمود أي ما كان لله وفي الله

فتغضب عندما تنتهك محارم الله وترتكب المعاصي والذنوب

وهكذا تغضب لإخوانك المسلمين وما كان لحماية المصالح العامة وخصوصاً الدينية فهذا هو الغضب المحمود وهو ما كان في حقوق الباري سبحانه وتعالى.

وهو على قسمين الواجب والمندوب :

فالواجب كالْغَضَب عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ والكفار وَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَجُوزُ.

والمستحب أو المندوب: كالْغَضَب عَلَى الْمُخْطِئِ إِذَا عَلِمْت أَنَّ فِي إظهارك الغضب ردع له عما يفعله ويجعله يترك ذلك.

 

•أضرار الغضب

1-يجعل الشخص يتعدى حد العدل إلى الظلم والجور فقد يعاقب المرء أكثر مما يستحق.

فإنَّ منْ لا يملكُ نفسَهُ عندَ غضبه قال فيمَنْ غضِبَ عليه ما ليسَ فيه من العظائم ، وهو يعلمُ أنَّه كاذبٌ

وربما علِمَ الناسُ بذلك ويحمِلُهُ حقدُهُ وهوى نفسِهِ على الإصرارِ على ذلك

2- وهو مفسد لظاهره بتغيير ملامحه وردة فعله وتصرفاته كما يمكن أن يحمل صاحبه على الشتيمة والقتل وما شابه ذلك

3- يورث في قلب صاحبه الحقد والبغضاء حتى يفسد قلبه

4- وهو سبب في قطع علاقات كثيرة بين الأخ والأخت والأم وما شابه ذلك فكم من أخ لا يعلم عن أخته والعكس وسببه لحظة غضب لم يتمالك نفسه

5- أنه سبب من الأسباب التي تجلب الأمراض فقد يعاني شديد الغضب من الضغط وقد يصيبه الصرع وربما يغمى عليه وقد يحصل له ما هو أشد من ذلك

فهو يزيد دقات القلب عن المعدل الطبيعي واستمرار ذلك قد يسبب نوبة قلبية كما أنه قد يسبب السكتة الدماغية والصداع واضطراب النوم

 

•ما المشروع عند الغضب

1-الجلوس والاضجاع فذلك سبب من أسباب ذهابه أو تخفيفه وقد جاء عن أبي ذَرّ قال: كان يسقي على حوض له، فجاء قوم قالوا أيكم يورد

على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه فقال رجل: أنا. فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذر قائما فجلس، ثم اضطجع،

فقيل له: يا أبا ذر، لم جلست ثم اضطجعت؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: [ إذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ

فإن ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ ]صححه الشيخ الألباني في سنن أبي داود

قال الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه على السنن:

لأنه إذا كان قائماً فقد يؤدي ذلك إلى أن يتصرف بالانتقال والحركة والتقدم والتأخر؛ بسبب الهيجان، ولكنه إذا كان جالساً فإنه يكون أخف مما إذا كان قائماً

ولكنه أيضاً إذا اشتد به الغضب وهو جالس فيضطجع؛ لأن هيئة اضطجاعه أخف من هيئة جلوسه؛ لأن هيئة الجلوس يكون معها القدرة والنشاط والتمكن من الفتك

أو القيام بأفعال غير محمودة، ولكنه إذا اضطجع فإن ذلك يخف في حقه، وهذه من الطرق الفعلية التي يكون بها التخلص من شدة الغضب

وعدم الوقوع فيما لا تحمد عاقبته بسبب الغضب. اهـ

2- الاستعاذة من الشيطان فقد ثبت في صحيح السنة النبوية [ إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] أخرجه البخاري

3-عدم التعدي والظلم بل العفو وكتم الغيض والمغفرة قال تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} والذي لا يقول إلا الحق وهو في هذه الحالة يدل على إيمانه وخوفه من الله

وله أجر بذلك

4- الحرص على عدم الكلام والسعي في السكوت خرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس عن النبي قال: [ إذا غضب أحدكم فليسكت قالها ثلاثا ] صححه الألباني

وهذا من أنفع الأدوية حيث أن الغاضب يقول في هذا الحال ما يندم عليه أشد الندم عند تعقله ومعرفته بأقواله التي قالها فتجنبا لذلك كله عليه أن يسكت

وأن يمسك لسانه إلا عن ذكر الرحمن والاستعاذة من الشيطان الرجيم

لذا جاء عن بعض الأئمة أنه ما تكلم حين غضبه حتى لا يندم حين رضاه فقد يتفوه المرء بشيء يندم عليه طول عمره

وأيضا أن السكوت يسكن الغضبه ويخففه بخلاف الحركة والتحرك فتثيره

5- يتذكر ما جاء في فضل كظم الغيظ والمنزلة التي ينالها والثواب الذي يحصله وما جاء في الحلم والصبر وتحمل الأذى حتى يذهب عنه ما يجد

6- تذكر ما يترتب عليه من الإثم والبغي وقد ذكر عن أحد الملوك أنه كتب إليه وزيره رسالة حتى إذا غضب نظر فيها وسكن غضبه وفيها

ارحم من في الأرض يرحمك من السماء

ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء

ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء

اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب

فكان كلما نظر إلى رسالته سكن عنه ذلك يتذكر غضب الله عز وجل ويتذكر الوعيد وتذكر ما عليه يوم الحساب فيمسك نفسه ويهدأ

7- ومما يعينه في دفع ما يجده يستحضر أن ما أصابه أو ما حصل -السبب الموجب لغضبه- كله بقضاء الله وقدره وأن الله حكيم في أفعاله سبحانه

8- وكذلك من الأدوية علمه بأن الغضب لا نفع فيه بل ضرره أكثر من نفعه إذا وجدت المنفعة

9- وكذلك كون الإنسان يخرج ويترك المكان الذي فيه المخاصمة والمشادة والمنازعة

10- ولا يجوز أن يحكم القاضي بين الناس وهو في مثل هذه الحالة فقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [ لاَ يَقْضِى حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ

 

•حديث في الغضب

1- [ليس الشديد بالصّرعة، لكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب] متفق عليه

بين صلى الله عليه وسلم أن القوى ليس في اسقاط الرجال وصرعهم وإنما الذي يمسك نفسه ويسيطر عليها عند غضبه

وليس المقصود أن صرع الأقوياء ليس فيه شدة إنما المقصود الشدة التي لها النفع العظيم هي في ضبط النفس

2- [و من كف غضبه ستر الله عورته و من كظم غيظه و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله

قلبه رجاء يوم القيامة ] صححه الألباني في السلسلة الصحيحة

أي من منع نفسه عند هيجان الغضب عن أذية الناس فثوابه أن يستر الرب عورته في الدنيا ومن ستره فيها لا يهتكه في الآخرة

3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من كف غضبه كف الله عنه عذابه ] حسنه الألباني

 

•الآثار الواردة في الغضب

قال عمر بن عبدالعزيز قد أفلح من عصم عن الهوى والغضب والطمع (جامع العلوم والحكم)

عن عبد الله بن محمد بن منازل يقول : قلت لأبي صالح حمدون : [ أوصني ؟ ] قال : [ إن استطعت أن لا تغضب لشيء من الدنيا فافعل ] (الزهد للبيهقي)

قال أبو الحسن المدائني : لقي رجل حكيما من الحكماء ، فضرب الحكيم على قدمه ضربة موجعة ، فلم ير فيه للغضب أثرا

فقيل له في ذلك : فقال : أقمت ضربته مقام الحجر أعتريه ، وربحت الغضب (مساؤئ الأخلاق للخرائطي)

* أحاديث لا تصح في الغضب

في الحديث «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» ضعفه الألباني

عن زيد بن أسلم أن رسول الله عليه السلام قال : ( ( الغضب طعنات من الشيطان ألم تروا كيف تدر أوداجه ) ) . مرسل

 

•تجنب أسباب غضب الله على العبد

ومن صفات الله عز وجل الفعلية صفة الغضب ولها أسباب لابد من تجبنها منها:

1- قال النبي عليه الصلاة والسلام: [ من حلف على يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ هو فيها فاجرٌ؛ لقي الله وهو عليه غضبان ] أخرجه البخاري

2- ترك سؤاله ودعاءه وهذا من التكبر والاستغناء وموجب لغضب الباري جل جلاله فالعبد يحرص على كثرة سؤال ربه ودعاءه والإلحاح في ذلك

3- الشرك به سبحانه كحال من عبد العجل قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ } الآية

4- كفران النعم العظيمة التي هي من الرب وحده فكفر النعمة من أسباب غضب الباري قال تعالى : { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ

فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى } الآية

والأسباب كثيرة فيحرص العبد على الطاعات والابتعاد عن المعاصي مع تعلم ما يجب عليه وما يحرم عليه

_______________________________

شرح حديث والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه

شرح حديث ان فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها

شرح حديث يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا