موقع شرح الحديث

شرح حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه

شرح حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه

حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»([1]) أخرجه البخاري في صحيحه.

 

معاني المفردات [ شرح حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه ]

  • خيركم: أفضلكم.
  • القرآن: كلامُ اللهِ تعالى المُنزَّل على نبيه مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، المُعْجِز بلفْظه ومعناه، المُتعبَّدُ بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب في المصاحف من أَوَّلِ سورة الفاتحة إلى آخِرِ سورة الناس، والقرآن تكلم به الرب سبحانه وسمعه منه جبريل عليه السلام وبلغه إلى محمد عليه الصلاة والسلام.

 

الشرح:

في هذا الحديث دلالةٌ على شرف القرآن الكريم، وشهادة من النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل المسلمين وأرفعهم مكانة عند الله من تعلَّمه وعلَّمه، حيث أن قراءته من أفضل أعمال البر ، فالإنسان ينال بتلقنه درجة المتعلمين، وبتلقينه درجة العالمين.

وتعلمه وتعليمه يجعل صاحبه خير الناس وأفضلهم، فقد بدأ الحديث بتوضيح الخيرية والأفضلية لمن عمل بالقرآن الكريم تعلماً وتعليماً على الوجه الذي يرضي الله عز وجل.

 

والقرآن الكريم هو حبل الله المتين، من عمل بما فيه نال الأجر والثواب، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

وخير الناس هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لقول الله عز وجل ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وخير أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين تعلموا القرآن حق تعلمه وعلموه لغيرهم حق تعليمه.

 

[ شرح حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه ]

والخطاب في هذا الحديث للأمة جمعاء، فخير هذه الأمة من جمع بين وصفين

أولهما: تعلّم القرآن

وثانيهما: علَّمه لغيره لم يكتف بمجرد تعلمه، وليس المقصود بتعلم القرآن تعلم الألفاظ فقط إنما يشمل تعلم اللفظ مع المعنى، فلا بد من الجمع بين التلاوة والحفظ مع التفسير.

فيتعلمه ويحفظه ويتدبر آياته ويتمعن في تفسيره ويستنبط أحكامه ويعمل بها، ويستفيد من العلوم الشرعية التي يحتاج إليها في معرفة القرآن وأحكامه، وبعد أن يتعلمه يعلِّمه لغيره فيصبح عالماً ومعلماً.

 

فلا بد لمن يتعلمه أن يستفيد من العلوم الشرعية الأخرى أصولاً وفروعاً، حيث أن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً، فما جاء مجملاً في آية جاء في آيات أخرى مفصلاً، وما جاء في موضع عام تم تخصيصه في موضع آخر، وما جاء مطلقاً جاء مقيداً في موضع آخر.

فيدخل في تعلمه حفظه وتجويده، ونطق حروفه نطقاً صحيحاً وإعرابه وفهم معانيه، ومعرفة مقاصده، ومعرفة أسباب نزول آياته، ومعرفة المناسبات بينها، ومعرفة أحكامه وحلاله وحرامه، ومواعظه وزواجره وأوامره.

ولا بد أن يكون لديه علم بالمتشابه والمكي والمدني، وغريب الألفاظ، وكيفية الوقف والابتداء وغيرها من علوم القرآن التي لا تنحصر.

 

[ شرح حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه ]

فإن لم يجد في القرآن لجأ للسنة النبوية حيث أنها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، والتطبيق العملي لما في كتاب الله،، فقد تأتي مؤكدة أو مبينة لآياته أو تأتي بأحكام زائدة على ما في القرآن.

ويعتبر حفظه وتعليمه من أفضل القُرَبِ إلى الله عز وجل، وهو فرض كفاية على الأمة، إن قام بذلك قوم سقط عن الباقين، وإن لم يقم به أحد أثم الكل.

فإقبال الإنسان عليه دليل واضح على خيريته، وله من الخيرية بقدر هذا الإقبال عليه فالذي يقبل فقط على حفظه ففيه من الخيرية ما يقابل الحفظ فقط، والذي يقبل على حفظه وفهم معناه وتدبره واستنباط أحكامه هذا فيه من الخيرية ما ليس في غيره، ومن يقبل عليه حفظاً وفهماً وتدبراً ويعمل به هذا فيه من الخيرية ما ليس في غيره.

 

 

وإذا كان خيرُ الكلامِ كلام الله، فكذلك خيرُ الناس بعد النبيين والصحابة مَنْ تعلَّم ويعلِّمُ كلامَ الله، ولابد من تقييد التعلم والتعليم بإخلاص النية لله عز وجل، فإن أخلص النية وتعلَّمه وعلَّمه وتخلَّق به، دخل في زمرة النبيين، والصديقين، وكان مفضلاً على غيره ممن لم يتخلق به.

فعلى من يُعلِّم القرآن أن يقصد بعلمه رضا الله عز وجل، لا أن يتوصل به إلى غرض من أغراض الدنيا من مال أو ثناء عند الناس، وعليه أن يتخلق بخلق القرآن، ويبذل النصيحة لمن حوله.

 

[ شرح حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه ]

فالشرف الأعظم والخيرية الكبرى ومناط السعادة، وكل تقدم وعلو ورفعة في هذه الأمة مقياسه مرتبط بالقرآن الكريم، فالقرآن هو محور الحياة، وجوهر رفعة هذه الأمة، وبه يُلغي كل اعتبار من حسب أو نسب أو مال أو جاه أو قوة أو سلطان.

ففي هذا الحديث دعوة للإقبال على تعلّمه وتعليمه وتلاوته والتدبر والتفكر فيه وتعليم الأولاد على تلاوته وحبه حتى يألفوه ويتحلوا به، فهو يطهر الأخلاق ويزكي النفوس وعلى العبد أن لا يكتم علمه بل يبذل الجهد في تعليمه.

 

 

وعلى من يريد تعلم القرآن الكريم أن يتعلَّمه على يد شيخ أو عالم متقن للقرآن الكريم فلا يكتفي بالمطالعة من الكتب أو الأماكن الأخرى، وأن يعرف فضل تعلمه والأجر الذي وعد الله تعالى به المسلم في الدنيا والآخرة، وأن يستمع للبرامج التي تعرض تلاوة القرآن، وتعلِّم أحكام التجويد.

وعلى من يريد تعليم القرآن الكريم أن ينّوع من أساليب وطرق التعليم، ويقيم حلقات تعليم لأحكام التجويد وكيفية نطق الحروف بشكل سليم، ويربط الآيات بالواقع المعاصر ويبدأ دروسه بمقدمات تشويقية ومحفزة، ويراعي الفئات العمرية عند التعليم.

 

[ شرح حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه ]

المعاني المستفادة من الحديث:

  • بيان فضل القرآن الكريم وأنه يرفع من مكانة صاحبه.
  • فضل تعلمه وتعليمه، والعمل بما فيه من أحكام وأخلاق.
  • خير هذه الأمة هم أهله أهل الله وخاصته.
  • العاملون بالقرآن الكريم المتدبرون لآياته وأحكامه العاملون بها هم صفوة الناس.
  • لا بد من إجلال أهل القرآن الكريم، ورفع منزلتهم.
  • من واجب المسلم ألا يكتم العلم الذي عنده، بل عليه أن يعلِّمه لغيره وأن يفيد نفسه وغيره.

 

 

([1]) صحيح البخاري، البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه، (6/192)، ح5027.