الصفحة الرئيسية

شرح حديث اتق الله حيثما كنت

عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "

اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسن صحيح

اتق الله حيثما كنت

بين عليه الصلاة والسلام أن العبد يلازم التقوى ولا يفارقه فيكون معه دائما سواء في السر أو العلانية وسواء في بلدك أو خارجه فاتقه في كل مكان وزمان

أصلُ التقوى في اللغة: أن يجعل بينه وبين الذي يخافه وقاية تقيه منه، مثل اتِّخاذ النِّعال والخفاف للوقاية مِمَّا يكون في الأرض من ضرر

والتقوى شرعا عرف بتعاريف كثيرة وهي متقاربة في المعنى وإن اختلفت العبارات ومنها قول ابن الملقن في المعين على تفهم الأربعين

و"التَّقْوَى" لفظَةٌ وجِيزَةٌ جامعةٌ لكلِّ خيرٍ دينيّ ودُنيَويٍّ؛ لأنها: امتِثالُ الأوامِر واجتنابُ النَّواهِي

ولكي تتق الرب عز وجل لابد أن تتعلم وتعرف ما يجوز وما يحرم فتفعل الواجبات وتترك المحرمات وترتقي درجة أعلى بترك المكروهات وفعل المستحبات

وأعظم المأمورات وأهمها توحيد الرب جل شأنه فإنه الأمر الذي من أجله خلق الثقلان الجن والإنس، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب

وأيضا يحاسب العبد نفسه وفي ذلك جاء عبارة بعض السلف في قولهم أن المتقي يحاسب نفسه أعظم من محاسبة الشحيح البخيل لشريكه ومقصودهم شدة مراقبة العبد نفسه وأعماله

وليس التقي من أطاع مولاه في العلانية وإذا خلا بمحارمه انتهكها وإنما التقي من يخافه في السر والعلانية

يقول الإمام صالح بن فوزان الفوزان في معرض حديثه عن أمر ما: فليس المقصود أن الإنسان يتجنب المعاصي الظاهرة فقط، وأما إذا خلا فإنه مسموحٌ له, لا

الحرام حرام على أي حال، والرب هو الرب- سبحانه- مطّلع في سائر الأحوال ظاهراً وباطناً لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، مهما حاولتم التستُّر فإنكم لا تخفون على الله سبحانه اهـ

 

من فوائد التقوى

 

وأتبع السيئة الحسنة تمحها

فما من عبد إلا ويقع في معصية وذنب فأمر بأن يلحقه بالأعمال الصالحة حتى تكون كفارة لتلك المعصية

فإن قيل: كيف تزيل الحسنة السيئةَ

قلنا: لا تخلو السيئة: إما أن تكون بين العبد وبين ربه تعالى، أو بين العبد وبين إنسان كالمظلمة

فإن كانت بين الرجل وبين مولاه عز وجل فإن الرجل إذا عمل سيئةً يَغضب الربُّ عليه، وإذا عمل حسنةً يرضى عنه الربُّ جل جلاله

وإذا رضي الرحمن عن العبد يترك غضبه ويعفو عن سيئاته لأن رحمته تعالى سبقت غضبه

وإن كانت السيئة بين العبد وبين الإنسان

فإنه إذا عمل حسنةً تَدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضًا من مظلمةٍ يومَ القيامة، وتسقط المظلمةُ عن رقبته

فإذا كان كذلك فقد أزالت الحسنة مظلمة خصمه عنه

قال أهل العلم

والمراد: تركُ المؤاخَذَة، ويجوزُ أن يكون المحو حقيقةً، وهو موافقٌ لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]

وهي نزلت في ذلكَ الذي أصاب مِن تِلكَ المرأة ما دُونَ الجِماعِ، وأَمَرَهُ الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه-

بالوضوء والصَّلاة، فقال معاذ: هذا لهُ خاصَّة أم للناس عامَّة؟ فقال: بَل للنَّاسِ عَامَّةً

وهنا مسألة مهمة وهي هل الكبائر أيضا تمحوها الحسنة أم المقصود الصغائر

ذكر العلماء أن المراد بتكفير الذنوب وما شابهها المعاصي التي دون الكبيرة وأما الكبيرة فلابد لها من التوبة وبعض العلماء نقل الإجماع على هذا

وهنا فائدة في بيان تسمية المعصية والإثم سيئة قالوا لأنها تسوء صاحبها في الدارَين وتكدر عليه دنياه وآخرته نسأله العافية

 

نصيحة من الإمام ابن الملقن رحمه الله قال

فلا تعجز أيها المسكين إذا أتيت سيئة بقلبك، أو لسانك أو جوارحك، احتَلْ بأن تتبعها بحسنةٍ مِن صلاة، أو صدقة -وإنْ قَلت-، أو ذِكْرٍ...

إلى أن قال) فإنَّ عجزتَ عن إِتْبَاع الحسنة السيئة فأنتَ مخذُولٌ، والسيئةُ الصَّغيرةُ مقابلة بالحسنة الصغيرة والذكر اليسير، والكبائرُ بالتوبةِ والإنابة اهـ.

 

ولا ينبغي التهاون في السيئات فقد ذكر الرحمن لنا أن السيئات أيضا تبطل الحسنات قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]

يبين سبحانه أن لا نبطل الأعمال بالردة وبين العلماء ليس المقصود الحصر في الردة فقط إنما هي أعظم سبب لبطلان الأعمال وإلا هناك أمورا أخرى تبطلها

قَالَ تَعَالَى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ

قال العلامة ابن القيم في مدارج السالكين: فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ - أَنَّ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا يُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ بِالْإِجْمَاعِ وَمِنْهَا مَا يُحْبِطُهَا بِالنَّصِّ -.... اهـ

 

لا تمل من التوبة والندم ولو كثرت معاصيك

قيل للحسن البصري : ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ودَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من الاستغفار

قال مالك بن دينار رحمه الله: البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما يحط الريح الورق اليابس

 

شرح حديث اتق الله حيثما كنت

 

وخالق الناس بخلق حسن

أي: معاشرتهم بخُلُقٍ حسنٍ والخُلُق وإنْ كان سجيَّةً في الأصل إلا أن الإنسان يمكنه أن يتخلَّق بغير خلقه، حتَّى يتَّصف بالأخلاق الجميلة الرَّضيَّة الزَّكِيَّة.

جاء في الحديث [ لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه ] وفي الحديث الآخر

[فمَن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنَّة، فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه]

وليس حسن الخلق خاصة في حالة الفرح والسرور أما إذا ضيق عليه أو أزعجه أحدهم شتم وقبح وقال وفعل بل في مثل هذه الأوقات يظهر لهم خلقه الطيبة

 

من لطائف الحديث

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم

لما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى

إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره بأن يفعل ما يمحو به هـذه السيئة وهـو أن يتبعها بالحسنة اهـ

 

اشتمل هذا الحديث على أحكام ثلاثة: حق الله وحق المكلف وحق العباد

1- أَمَّا حقُّ الله تعالى: فحيثُمَا كنتَ تَتَّقيهِ، فهوَ ناظر إليكَ ومعكَ ورقيب

2- وأَمَّا حقُّ المكلف فمحو الحسنةِ بالسيئة، كما سلف: {ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] أي: عِظَةٌ لِمن اتَّعظ

3- وأَمَّا حقّ العِباد فهو مُخالقتهم -أي: معاشرتهم- بخُلُقٍ حسنٍ، فعاملهم بما تحب أن يعاملوك به

مِن: كفِّ الأذى وبَذْل النَّدَى وطلاقةِ الوجهِ؛ أي عامل النَّاس بما تحت أن يعاملوكَ به

فتجتمع القلوب ويتفق السرُّ والعلانية، فتأمن الكيد والشر، وذلك جِماعُ الخير ومِلاكُ الأمر -إن شاء الله تعالى-

 

الأحاديث الواردة في حسن الخلق

عن حذيفة بن اليمان- رضي اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام: [ أتي اللّه بعبد ... فقال: وكان من خلقي الجواز، فكنت أتيسّر على الموسر وأنظر المعسر

فقال اللّه: أنا أحقّ بذا منك، تجاوزوا عن عبدي ] البخاري ومسلم

عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه -عليه أفضل الصلاة والسلام-: [ أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقا ]

عن أبي أمامة الباهليّ- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: [ أنا زعيم ببيت في ... وببيت في أعلى الجنّة لمن حسن خلقه ] صححه الألباني

عن عائشة أمّ المؤمنين- رضي اللّه عنها- قالت: [ فإنّ خلق نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان القرآن ] مسلم مطولا

عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما- أنّ رسول اللّه -عليه الصلاة والسلام- قال: «إنّ من أحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا

سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أكثر ما يدخل النّاس الجنّة؟ فقال: «تقوى اللّه وحسن الخلق ] أخرجه الترمذي

ومما جاء في فضله أن له وزنا عظيما يوم القيامة لذا هو من الأسباب العظيمة لدخول الجنة والبعد عن النار قال النبي عليه الصلاة والسلام

ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء أخرجه الترمذي وهذا يدلنا على حقيقة الميزان وأنه حسي

 

الآثار الواردة في حسن الخلق

قال عمر  لقبيصة بن جبر - رضي الله عنهما -: "أراكَ شابًّا فصيحَ اللِّسان، فَسِيحَ الصَّدر

وقد يكونُ في الرَّجُل عشرةُ أَخلاقٍ: تسعةٌ صالحةٌ وخُلُق سَيِّئٌ، فَيُفسِدُ التِّسعةَ الصالحةَ الخُلُق السَّيِّئُ، فاتَّقِ عثَرَاتِ اللِّسان

وقال الحسن : "مَن أُعْطِيَ حُسنَ صورةٍ، وخُلقًا حسنًا، وزوجةً صالِحَةً، فقد أعطِيَ خير الدُّنيا والآخرة

وقال صعصعة بن صوحان لابن أخيه زيد - رضي الله عنهما -:"خَالِص المؤمن، وخَالِقِ الفَاجِر، فإنَّ الفَاجِرَ يَرْضَى مِنْكَ بالخُلُق الحَسَن

 

وصايا النبي عليه الصلاة والسلام

عن أبي سعيد الخدري (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أن رجلاً جاءه فقال: أوصني. فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من قبلك، فقال

أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس كل شيء. وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام. وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه رَوْحك في السماء، وذكرك في الأرض" وهذا الحديث صححه الألباني

عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصال من الخير

أوصاني بأن لا أنظر إلى من هو فوقي وأن أنظر إلى من هو دوني وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم وأوصاني أن أصل رحمي وإن [ص:451] أدبرت

وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا وأوصاني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة أخرجه ابن حبان

 

المصادر والمراجع

المفاتيح في شرح المصابيح

جامع العلوم والحكم

المعين في تفهم الأربعين

فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

_______________________________

شرح حديث والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه

شرح حديث ان فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها

شرح حديث يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا